دموع على طريق
الغربة وملتقى الصداقات الحميمة .. قطارات الامس..
هل رماها زمن العنف الى هاوية النسيان؟
تحقيق:القلعة
القطار.. متعة سفر الامس وبهجة التنقل السريع والرخيص، هو طريق الغربة وواسطة
تباعد الاحبة والناعق الذي يبشر بالفراق ولكنه في ذات الوقت يعد ملتقى متحركاً
للتواصل والتعارف ونسج الصداقات الحميمة بين محطة واخرى او بين مدينة وقصبة
ومحافظة.
ولم يؤثر على حياة العراقيين شيء بقدر ما اثر القطار او(الريل) الذي تشكلت
ادارته في بغداد قبل قيام الدولة العراقية بخمس سنوات، وكان أول خط للسكك
الحديد يصل بغداد ببرلين، حيث استخدمه الالمان لنقل الاعتدة والامتعة وسمّي
بقطار الشرق السريع الذي ارخته الكاتبة العالمية اجاثا كريستي في روايتها
البوليسية(جريمة في قطار الشرق السريع).
القطارات سابقاً كانت في اوج ازدهارها اما اليوم فهي تعاني الامرين بسبب الظروف
الامنية القاسية التي يمر بها العراق، ولابد هنا من سؤال: كيف اصبح واقع
القطارات العاملة حالياً على خط(بغداد ـ البصرة) و(بغداد ـ الموصل)؟ وهل ان
الوضع الامني ساهم في تراجع ارخص وسيلة نقل في العراق ام ان الفجوة اتسعت بينه
وبين رواده الذين زهدوا فيه لاسباب اخرى؟
*السيد(خميس الربيعي) الناطق باسم هيئة سكك حديد العراق يقدم مقاربة رقمية حول
واقع القطار يمكن عدها الان نعياً غير مباشر له في العراق فيقول: القطار في
الماضي كان له بهجة وناس يرغبون بالسفر من خلاله وقد وصفه الشاعر الرصافي
قائلاً: وقاطرة ترمـي الفضـا بدخانها
وتملأ صدر الارض في سيرها رعباً.
هذه القاطرة اليوم اضحت تختلف عن قاطرة الامس وانتهى زفير القطار ودخانه الاسود،
كنا في السابق نسّير (28) قطاراً يومياً على الاقل للمسافرين والان تقلص هذا
العدد بشكل مخيف ليصل الى(4) فقط وهي قطار(الحلةـ بصرة) وبالعكس، فالقطار لا
ينطلق من المحطة المركزية في بغداد بسبب الوضع الامني للمنطقة المحصورة بين
بغداد والحلة وهو ينطلق يومياً من الحلة عند الساعة(9،30) صباحاً ولا يحصل فيه
استيعاب كامل لعدد الكراسي الموجودة داخل العربات بسبب خوف المسافرين من ارتياد
القطارات والسفر فيها.
يضيف السيد(خميس) ان تردي الاوضاع الامنية اثرت على القطارات فالاستيعاب الكامل
لعرباته الذي كان في الماضي100% تقريباً اصبح اليوم لا تتعدى نسبته20% وهذا
يعني ان مردودات السكك المالية تأثرت ايضا بشكل كبير من خلال عزوف المسافرين عن
ارتياد القطارات وينطبق ذات الامر على قطار(بغدادـ الموصل) الذي يعمل بشكل يومي
بواقع قطار واحد ذهاباً واياباً، ينطلق من المحطة المركزية في الساعة(8،30)
صباحاً بعدد قليل جدا من المسافرين.
*تتذكر المواطنة(أم سعد) ايامها مع القطار التي تقول ان ركوبه كان يمثل سفرة
بحد ذاتها، وتضيف كنا نسكن البصرة ونسافر بالقطار الى بغداد وكانت الليلة التي
نقضيها فيه تعتبر ليلة حلوة بحيث عندما نذهب للمحطة عصراً في المعقل نأخذ الاكل
والكرزات والشرابت، وكنا نشكل صداقات مع المسافرين، فأنا حتى الان اذكر ان بعض
الناس الذين تربطني بهم علاقة قد تعرفت عليهم اثناء الرحلة من المعقل الى
بغداد.
*السيد(جواد الخرسان) مدير العلاقات في الهيئة يقول ان الهيئة تعتبر اول مؤسسة
او شركة باشرت اعمالها بعد2003/4/9 حيث انطلق اول قطار من البصرة الى ام قصر
ومن ثم توالت الخطوط بالمسير وهي من بغداد الى البصرة والموصل وحاليا نعاني من
عزوف المسافرين عن ركوب القطار وهذا يعود الى عدة اسباب ومنها عدم انطلاق
القطارات ليلاً بسبب الوضع الامني المتردي، فاضطررنا ان نسيّرها نهاراً فقط.
ويستعرض الخرسان صوراً من ذاكرة القطار العراقي فيقول، تأسست الشركة العامة
للسكك الحديد العراقية عام (1916) وكان أول خط لها هو خط بغداد- برلين، استخدمه
الالمان لنقل العتاد والمؤن وبقي فترة طويلة وسمّي بقطار الشرق السريع، واستطرد
قائلاً، سكك الحديد او القطار او “الريل” له قصص كثيرة وجميلة عاشها العراقيون
خصوصاً في مناطق الجنوب الذي تغنوا بهذا القطار من خلال القصائد الشعرية
الشعبية والاهازيج لما فيه من تأثير في نفوسهم، ومن ضمن هذه المحطات”المكيّر”
القديمة الجميلة التي تغنى بها الفنان ياس خضر في اغنية “مشيت وياه للمكير
اودّعنه” و”المكير” هي محطة لتوديع المحّب للمحبوب.
ويضيف(الخرسان) هناك ملاحظة عن خصوصية القطار وهي ان العاملين في السكك الحديد
يختلفون من حيث انتماؤهم الى هذا الوسط عن سواهم من الموظفين في دوائر الدولة،
فالعاملون يمارسون عملهم بالوراثة، الموظف الحالي هو ابن موظف متقاعد عمل في
السكك لذلك نرى العلاقات طيبة بينهم ولها جذور عميقة وصلة مودة والفة ، فالموظف
في البصرة يعرف زميله في الموصل او في بغداد وهي حالة غير موجودة في بقية
الدوائر.
*المواطنة التشيكية(مارتن يوسف) تعيش في العراق وتعمل في السكك منذ نحو(35)
عاما وهي حتى هذه اللحظة ترفض المغادرة، فقد أتت الى بغداد عام(1970) ولديها
بنتان وولدان وعملت عام(1985) وهي تحب عملها في السكك وزوجها مهندس.
*في المحطة العالمية وهي الاسم المتداول لمحطة القطار المركزي في بغداد اختفى
الزحام امام شبابيك التذاكر او بوابة الصعود الى القطار اذ ما بقي من ركابه الا
نفر قليل يتقاطرون قبل الساعة الثامنة صباحاً واحداً واحداً وما يجمعهم انهم
مضطرون الى استخدام القطار لاسباب مادية.
*ويقرل(طالب جواد كاظم) مدير التشغيل المركزي ان مستوى الخدمات المقدمة في
القطارات، هي دون مستوى الطموح وهذا يرجع الى قدم العربات، وتسعى السكك جاهدة
بالنهوض بواقع الخدمة الموجودة وهناك دراسة لاعداد كادر خدمة داخل القطار.
*(باريل ظل بغنج من تجري بأم شامات، لا تمشي مشية هجر كلبي بعد ما مات) هكذا
كان الشاعر المعروف مظفر النواب يتوسل كي يهدئ القطار من انطلاقته وزعيقه فهل
سيستجيب القطار ويمّد من انطلاقته الاخيرة الى الزوايا القصّية من الذاكرة
العراقية؟