الحفيدة الأمريكية

أحمد خلف
حين أنتهيت من قراءة رواية أنعام كجه جي - الحفيدة الامريكية - فوجئت أن الروائية تعيش في فرنسا وليس في أمريكا كما ورد التعريف بها على غلاف الرواية: ((أنعام كجه جي، صحافية وكاتبة مصّره رغم أقامتها الفرنسية المديدة على عراقيتها)). والحق ان سطور التعريف هذه التي تشير الى أقامتها في فرنسا، جعلتني في حيرة من امري ذلك لأن الرواية - الحفيدة الامريكية - لم تأت قط على ذكر فرنسا أو أية أشارة الى الأقامة في هذا البلد، بل الغريب أن يعرف القارئ أن ما يجري على صعيد الأحداث داخل الرواية هو بين بغداد ومدن أمريكية، وأن الخارطة المكانية للرواية، واضحة ومعلنة منذ الصفحات الأولى، أن الرواية هذهِ كفن تمتاز بشاعرية الساردة حيث بدت لنا تتمتع بالكثير من مزايا الراوي الذي يجيد سرد الحكايات بصيغ مختلفة لعل من أبرزها صيغة الراوي العليم، لكن ثمة أشارات عديدة متباعدة داخل صفحات الرواية، الى ما يمكن أن نسميه تيار ما بعد الحداثة، كأشارات فنية وتقنية وليست كتنظير فكري أو عقائدي ((لست أنا من يكتب بل رحمة. ألم تفهمي هذا؟ ص102))، تحاول المؤلفة من خلالها التخلص من تلك التراتبية في سرد الاحداث المهيمنة على الرواية. والأحداث عموماً هي أحداث ذات صلة بالواقع العراقي بقوة لا تقهر، ترشح من مساماتها - الأحداث - خلال السرد الجميل الذي تتمتع بهِ الحفيدة الامريكية، زينه بهنام زنون على حد تعبير الجدة ذات السلوك والتفكير العراقي الصارم في مواجهة قوات المحتل من خلال مجابهتها ومواجهتها لحفيدتها، التي كانت تطلق عليها توصيفات عراقية في تسمية الاولاد أو الأحفاد والبنات؛ ((زينه، زوينه، زنزن التي أنخلع قلب جدها وجدتها يوم سلخوها عنهما وهي في أرجوحة مراهقتها.. تعود هكذا؟)) ص80 تعود بملابس الجيش الامريكي حفيدة عقيد الجيش العراقي، عادت بعد الغزو الامريكي مترجمة في صفوف هذا الجيش ((وهي لا تعرف على الأرجح أن لها أخاً في الرضاعة يقاتل مع جيش المهدي)) هذهِ الرواية تنتسب بجدارة الى الروايات التي تدين الاحتلال وأن لم يكن هدف الرواية الأدانة المباشرة، ولكننا نستشف ذلك الصراع الداخلي بل نستطيع تلمس أثارٍ بليغةٍ على روح الساردة، (الساردة العليمة ليست هي المؤلفة، تلك هي الاشارات التي تعلن عنها البطلة - زينه - بين حين وآخر في عملية الفصل بين صوت الساردة وصوت المؤلفة) مع أنها لا تنكر أمريكيتها بل تعقد مقارنة بين الحالتين - الأمريكية والعراقية - والساردة لا ترفض أمريكيتها ولا تتنصل منها بل تقول بنبرة صريحة ص93 ((ملأني الفخر بعد أن أعطوني البدلة المرقطة وتأكدت من أنني ذاهبة الى المهمة التي ستجعلني أستحق المواطنة الامريكية، أنها فرصتي لرد الجميل للبلد الذي أحتضنني منذ أول الصبا وفتح لي ولأسرتي صدره)) أنها مترجمة في الجيش الامريكي، وعلى لسان أبطالها - أخويها في الرضاعة - حيدر ومهيمن: ((مجندة في جيش الاحتلال)) ومع هذا تظل بغداد تحتفظ بمساحة كبيرة من قلب الساردة: ((... في تلك اللحظة، مع رائحة الطوز النفاذة، شممتُ العراق وكأن البلد كلّه تجمع في أنفي وميزت عبقه الذي أعرفه ولفح هوائه الساخن على الوجوه، وكانت ناديه المصرية ترتعش ورلي تسعل وكأنها ستموت ومددت يدي اضرب على ظهرها وكأنني مسؤولة عما يصيبها هذا بلدي ورلي ضيفتي، راحتها واجبي)) ص40 و41، ورغم هذا فالرواية لا يمكن الا أن تقرأ من زوايا عدة لأنها رواية جديرة بقراءة جادة، ومن الطبيعي القول، أن الحفيدة الأمريكية ظلت حفيدة عراقية في روحها وعاطفتها ونوع تفكيرها وأن أختلف السلوك ازاء المحتل ودمار الوطن وخرابه، لكن أشارات الادانة تكاد تصبح كثيرة كلما توغلنا في صفحات الرواية ومن خلال الاحداث المأساوية التي توردها الساردة كأحداث سجن أبي غريب وعمليات المداهمة للجيش الأمريكي لبيوت العراقيين وفشلها في القبض على الارهابيين، ثم هناك الاشارة التي لا يمكن الا ان تقرأ بأمعان تلك هي التمثيليات الساخرة التي يقوم بها جنود التحالف سخرية من تقاليد البلد وحالة الجزع المروع الذي ينتاب زينه وهي تشاهد الجنود وكيف يقومون بتمثيليتهم الفجة، فتثأر منهم بأشاراتها الى المصلين اليهود عند حائط المبكى وكيفية الصلاة اليهودية، مما يدفع أحد الجنود الى التساؤل: كنا نمزح أنت معنا أم معهم؟ ص120 من الرواية.
ولكن حين يسأل مهيمن:
لماذا جئتم؟ تجيبهُ زينه:
خلصناكم من صدام ص148،أن تعدد الضمائر وأستخدام صيغ مخاطبة مختلفة تعد فرصة مناسبة لترك المجال أمام شخوص الرواية من جهة وللساردة (المؤلفة) في التحكم بمصائر الشخصيات أو السيطرة على موضوعة الرواية، ليصبح عالمها عالماً منفتحاً، يتمتع بها الحدث أو المشهد بمعظم أحتمالات التأويل المتاحة لكي تصبح الرواية منفتحة على عوالم مختلفة وسنجد أن عبارة مارت روبير تتلاءم وما تطمح اليه رواية الحفيدة الامريكية بأعتبار أن: ((الرواية الحديثة لا قواعد لها ولا وازع، مفتوحة على كل الممكنات وغير محدده)) على أننا لا نستطيع التغافل أو أهمال نهاية الرواية، سطرها الأخير الذي تختتم فيه المؤلفة روايتها بالقول: - شُلت يميني إذا نسيتك يا بغداد... ودعونا نعيد قراءة العبارة الثانية حيث جاء نصفها الاول بصيغة الخطاب الشعبي وروح القسم الشائعة في كلام العراقيين؛ أما نصف العبارة الثاني فقد تصدرته أداة الشرط - أذا - للتأكيد على الصيغة الكلية (القاطعة والحاسمة في القسم) ولعلنا ندرك لماذا لم تقل الساردة:
شلت يدي بصورة مجردة، بل ركزت على يدها اليمنى. أن صيغة القسم لا يمكن الا ان تكون خاتمة لرواية ليس أمامنا الا مباركتها كرواية عراقية من طراز خاص، لروائية مثابرة كما عرفناها من قبل هنا في بغداد.