|
برهان المفتي
هل سمعتم بالبطحاء يوما.. أنا فعلت ذلك قبل ربع قرن تقريبا.. وبالتحديد في
صيف1986، حين وصلتها في صباح رطب منعش، أختبىء فيها من عيون تطاردنا، نحن خمسة
من طلاب كلية الهندسة. مضى ذلك اليوم، وصارت البطحاء ذكرى ولم أسمع عنها إلا في
مقاطع من مسرحية المحطة والراحل عبدالجبار كاظم. وهل سمعتم بتازة خورماتو
يوماً، قد يحسب الكثيرون أن هناك خطأ طباعياً، لكنني أؤكد لكم أن اسمها (تازة
خورماتو)، مدينة غافية على جانب الطريق المؤدي إلى كركوك، بعد داقوق والمنارة
المظفرية، ومقام السجاد زين العابدين، نرى رؤؤس بيوت تكاد تلامس الأرض من
تواضعها، تلك هي بيوت الطيبين في تازة خورماتو. مدينة منسية من مدن التاريخ،
تجاور رحلات العابرين من وإلى بغداد، فربما مر منها غائب قد طال صبر انتظاره،
او جائها بشير يبشرهم بالخلاص، فترى أعين الناس من أهالي تازة خورماتو تترقب كل
شخص ينزل من الباص بالقرب من الشارع المتفرع من الشارع الرئيسي بين بغداد
وكركوك، لعلهم يرون فيه من ينتظرونه، فلكل شخص هناك، إمامه الغائب الذي طال
انتظاره، ولكن تمر الأيام والسنون، وتمضي قوافل الموت والقتل، ولا يأتي إمام
طال إنتظاره، ولا منقذ يحلمون به كل مساء. لكننا، نصر على أن نبتكر لأنفسنا
طرقا في الحياة لم ولن يعرفها أو يجرؤ عليها سوانا، فتلك المدن المنسية
والمرمية على خارطة مساحة الوطن، لها الحق علينا أن يسمع عنها العالم جميعا،
ولأن أخبار الموت هي الأسرع إنتشارا بين الناس، فلنجعل حملتنا السياحية
الدعائية لتلك المدن المنسية هي عبارة من مفخخات وقتل ودمار، يقينا، سيسمع عنها
العالم في لحظات، وسنرى الخبر العاجل كومضات برق متسارعة تنتشر على واجهات
الاخبار العالمية. وأي عبقرية سياحية تلك التي أهتدى إليها أولئك الذين فجروا
البطحاء ثم تازة خورماتو؟ بأسم أهالي تلك المدينتين أشكر أصحاب ذاك الفكر
السياحي الذي جعل البطحاء تنافس باريس شهرة، وجعل تازة خورماتو تنافس لندن
مكانة على شبكات الاخبار. الموت أقصر طريق للمعرفة، تلك حقيقة الوجود العراقي
منذ سومر وحتى الآن، نزلت عشتار بحثا عن حبيبها تموز في العوالم الدنيا للموت،
حتى صارت عشتار رمز الحب والوجود في الوجدان العراقي، وأستمر ذلك البحث في
الموت طريقا إلى المعرفة في التراكم الجمعي العراقي حتى وصل إلينا، فصرنا نعرّف
العالم بان نقول نحن من أهل الموت، نعم، في الموت معرفة، وأسألوا الذين سقطوا
تحت التراب في تازة خورماتو أو البطحاء، نحن في العراق نصل إلى المعرفة بالموت،
وكلما كان الموت قاسيا، كانت المعرفة أدق والأقرب إلى الحقيقة. سنصدر دليل
العراق السياحي من أقصى قرية منسية في سفح جبل في شمالي الوطن وحتى آخر ذرة
تراب رطبة على شواطىء الخليج، وسنجعل ذلك الدليل يعرّف بمدننا المنسية، كل بحسب
أحداث القتل التي جرت عليها وفيها، ونكتب عند كل حادثة عدد الذين تطوعوا شهداء
معرفة لكي يجعلوا مدنهم المنسية مُعرّفة تنافس عواصم الاناقة والبذخ والثراء.
بأسم كل شهداء تازة خوارماتو والبطحاء، ومن قبلها تلعفر وآمرلي، ومن بعدها،
أقول، شكرا لكم، لقد جعلتم مدننا المنسية عناوين أخبار عالمية تنافس موناكو
وجنيف ثراءً في القيمة الخبرية، وليس ثراءً في القيمة الإنسانية. |