تازه خورماتو، فجيعة تتساءل عن السبب

تازة/ القلعة
الى عباس وابنائه الثلاثة وزوجته والذين مضوا جميعا شهداء في تازه خورماتو ظهيرة السبت قبل الماضي اقف مع سيدة تبكي ولا أفهم ماذا تقول. وفجأة رأت جارتها تركض نحوها وتسألها (بشريني هل عرفت عنهم شيئا؟). وتشرح لي الجارة بأن شقيق السيدة الباكية وابنائه الخمسة وزوجته ما يزالون تحت الانقاض. وتقول اخرى بأن بيتها بعيد قليلا عن بيت اهلها، وتمسح دمعتها وتضيف بأن والدها وشقيقتها وشقيقيها وزوجتيهما وابنهما قضوا جميعا بالانفجار. ومكان الانفجار وسط تازه خورماتوالتركمانية تماما، ظهيرة السبت قبل الماضي، شاحنة محملة بالمتفجرات وممتلئة بالحصو، خلفت حفرة خيالية باتساعها وهدمت عشرين منزلا تماما واحدثت اضرارا كثيرة بأربعين منزلا، واحدثت اضرارا متفاوتة في عشرات المنازل والمحال التجارية القريبة والبعيدة نسبيا عن موقع الانفجار الذي سمع دويه في كركوك والتي تبعد عن تازه خورماتو 15 كيلومترا. رجال وفتية ينتظرون على السطوح الآيلة للسقوط والمشرفة على المنازل التي هدمت تماما، لا ينبسون ببنت شفة. والتراب يرتفع كلما غرزت الحفارة (الشفل) اسنانها في الدمار علّها تجد جريحا. وتخرج الاسنان الحديدية جثة رضيعة وتصرخ السيدة الباكية بأنها الآبنة الصغرى ذات الخمسة اشهر لشقيقها. وتعود الاسنان الحديدية الى عملها، واراقب عملها، وقد تقتل دون قصد جريحا تحت الانقاض. ويأتيني صوت رجل باك ويقول “حتى الذين لم يقتلهم الانفجار، خنقهم التراب، فغالبية المنازل المهدمة مبنية من اللبن”. واترك هؤلاء المفجوعين مع دموعهم التي جمدت ومع دعائهم علّهم يجدون قريبا حيا تحت الانقاض. واسير الى المقبرة، وحفارة اخرى تعمل لتهيئة قبر كبير، وتأتي صرخة اكثر من مفجوعة وسيارة حمل صغيرة محملة بأكثر من عشرة شهداء، كانوا عائلة المرأة التي تصرخ بلوعة بالرغم من جروحها. احاول ان اجد معنى لما حدث؟ هناك نقطة سيطرة عند الشارع العام، واخرى بعد اجتياز هذا الشارع، وثالثة عند مدخل البلدة مع حواجز كونكريتية متعرجة، ورابعة مع الدخول الى البلدة. لمئات المرات، طالب الكثيرون ان يتم وضع الأجهزة التي تتحسس للمتفجرات عند مدخل كل بلدة وقرية ومدينة في العراق، ليس صعبا، ومليارات الدولارات تذهب لعقود وهمية اولاستيراد شاي فاسد اوادوية فاسدة، او... او... وملايين اخرى تذهب رواتب للدرجات الخاصة والمستشارين والنواب وغيرهم.. وصرخة طفل لا يتعدى الخامسة من عمره، رأى جثة والده في سيارة جارهم، جاء بها من المستشفى. يقبل الطفل والده الذي تمزقت جثته.. ورغما عني اتذكر الخبر العاجل الذي بثته الوكالات مع اختفاء الطائرة الفرنسية فوق المحيط الأطلسي، والخبر يقول بأن السلطات الفرنسية جاءت بأطباء نفسانيين الى المطار ليهدئوا من روع اهالي المختفين، لم يكونوا حين بث الخبر قد اصبحوا ضحايا، وليساعدوهم على تحمل الأمر.. ياااااااااااااااااااه، من يفكر بأطفال العراق، بأمهات العراق، بالعراقيين كلهم والذين عايشوا حربا بعد اخرى وحصارا قاسيا واحتلالا اكثر قساوة وعنفا قل مثيله في العالم؟ من يفكر ان يأتيهم بطبيب نفساني يهدئ من روعهم؟ من يشرح لهم سبب ما يمرون به يوميا، من يمسح على رؤوسهم، ومن سيقول كفى؟ عشرات الأطفال والنساء قضوا بلمحة بصر، ولم ينس العراقيون بعدهم فجيعة البطحاء، البلدة الفقيرة التي لم يسمع بها الكثيرون حتى في دروس الجغرافية، تماما مثل تازة خورماتو. قد يقول مسؤول خضراوي ان جلب طبيب نفساني بطر.. وحقه، فالعراقي الذي اصبح الصبر يتعلم منه الصبر ليس بطرانا، فهولم يطالب بالكهرباء ولا بالماء الصالح للشرب ولا بمسكن لائق ولا بعمل يكفيه السؤال ولم يحسد من صيره صوته ثريا، ذلك الذي وعده ان يطالب بحقوقه وان يدافع عنه. ستتشكل لجنة، وسيعلن ناطق ما بأن النتائج ستظهر خلال يومين.. والاف اللجان تشكلت منذ ان بدأ العنف يغزوالعراق ولم تظهر اية نتيجة. وتأتيني ابتسامة عباس، القصاب الذي كان على استعداد ان يساعد الجميع، ولم تفتر ابتسامته يوما. وحمد الله بأنه استشهد مع صغاره وزوجته، كي لا يعيش بعدهم بدموع لا تفارقه. ليرحم الله الشهداء، رجالا ونساء واطفالاً، وليهدي سبحانه الجميع. وما تزال الحفارة تغرز اسنانها حتى ساعة كتابة هذه المادة، وغدا سيرتفع عدد الشهداء قطعا كتبت المادة في يوم الفجيعة وارتفع عدد الشهداء في اليومين التاليين مع تسجيل18 مفقوداً حتى الان).