|
ريتشارد كلارك-واشنطن بوست:

مسؤولون كبار في إدارة بوش اكتشفوا فكرة جديدة فيما هم يبررون، بأثر رجعي،
سياساتهم المتعلقة بالأمن القومي. أسموها دفاع صدمة11 ايلول الذي مارسه البيت
الأبيض.
كونداليزا رايس قالت الشهر الماضي في معرض لومها لطالب في جامعة ستانفورد سأل
عن برنامج الاستجواب في عهد بوش: “ما لم تكن هناك، في موضع المسؤولية بعد11
أيلول، فإنك لن تستطيع بأي حال تخيل المآزق التي واجهتك وأنت تحاول حماية
الأميركيين” وفي تصريحه المتعلق بالأمن القومي في21 أيار، وصف ديك تشيني صباح
ذلك اليوم بأنه: تجربة “مفصلية” “جعلت كل شخص يعيد التفكير جديا” في الأخطار
المحدقة بأميركا. وأضاف: منتقدوالإدارة أصبحوا أكثر حدة عندما تلاشت ذكريات
الهجمات. لقد كان جزءا من مسؤوليتنا عدم نسيان الأذى الرهيب الذي لحق بأميركا”.
أنا أيضا أتذكر ذلك الصباح. بعد فترة وجيزة من ضرب برج مركز التجارة العالمي
الثاني، اقتحمت المكتب على رايس (كانت حينئذ مستشارة الرئيس للأمن القومي)
وتشيني في مكتب نائب الرئيس وأتذكر أني لمحت الرعب على وجهه. حالما أصبحوا في
الملجأ، جمع تشيني فريقه فيما أخذ مديروالأزمات في طاقم مجلس الأمن القومي
بتنسيق رد فعل الحكومة في مؤتمر صحفي عن طريق الفيديومن غرفة المؤتمرات في
البيت الأبيض. اعتقد الكثير منا أننا قد لا نغادر البيت الأبيض أحياء. أتذكر
اليوم التالي أيضا، حيث كان الدخان لا يزال يتصاعد من البنتاغون فيما أنا جالس
في مكتبي في مجمع البيت الأبيض وقناع للغاز على مكتبي. كانت شوارع واشنطن خالية
باستثناء العربات المدرعة، وكانت السماء صافية إلا من طائرات الـ “اف15” التي
تقوم بدورية. كل مشهد في تلك الأيام محفور بذاكرتي، أدرك كيف كانت نقطة مفصلية
لتشيني، كما هي بالنسبة لكثير جدا من الأميركيين. وبرغم ذلك، فإن الاستماع
لتشيني ورايس، يُظهر أنهم يريدون تبرير الإجراءات التي سمحوا بها عقب الهجمات
على أساس أن هجوم11 أيلول كان صدمة مؤذية. رايس قالت في تصريحاتها الأخيرة:
“لوكنت هناك في موقع السلطة ورأيت الأميركيين يتساقطون من مبان من ثمانين طابقا
لأن هؤلاء الطغاة القتلة لاحقوا أناسا أبرياء، عندها سيكون لديك تصميم للقيام
بأي عمل قانوني يمكن لك القيام به لمنع حدوث ذلك مجددا”.
لا أتعاطف كثيرا مع هذه الخلاصة. صحيح أننا قضينا أياما دون نوم كافْ، وافترضنا
جميعا وقوع مزيد من الهجمات. ولكن القرارات التي أصدرها مسؤولوبوش لاحقا -
المتعلقة بالعراق، والاعتقالات والاستجوابات والتنصت على المكالمات - لم تكن
مناسبة. كان يمكن للتحليل الدقيق أن يحل محل الاندفاع لخرق جميع القوانين، وكان
يجب التصرف كذلك لأنه لم يكن من المفترض أن تثير هجمات11 أيلول، برغم كونها
مروعة، دهشة المسؤولين الكبار. اعتراف تشيني بأن11 أيلول جعلته يعيد تقييم
التهديدات على الدولة يؤكد فقط كيف تجاهل المسؤولون الكبار، لمدة أشهر، تحذيرات
الاستخبارات المركزية ومجلس الأمن القومي بضرورة القيام بعمل عاجل لمنع هجوم
كبير للقاعدة. وهكذا، عندما قام المتنفذون في إدارة بوش بالتعامل جديا مع
تهديدات الإرهاب، فعلوا ذلك في حالة صدمة - وهي حالة سيئة لإظهار ردة فعل
منطقية. ولخوفهم من هجمات جديدة، سمحوا بأشد الإجراءات المتاحة، دون تقييم اذا
ما كانت جيدة حقا. أعتقد أن هذا الحماس نشأ جزئيا من أن العديدين في البيت
الأبيض تخوّفوا من أن تراخيهم قبل الهجمات سيُنشر بالتفصيل قبل الانتخابات
التالية - لهذا السبب عارضوا لجنة11 أيلول - ومن أن هجمة ثانية ستقضي على أي
فرصة لفترة حكم ثانية لبوش. لذا قرروا ألا يتركوا أي مجال للشك بأنهم فعلوا كل
شيء يمكن تخيله.
أول رد فعل ناقشوه كان غزوالعراق. ففيما كان البنتاغون لا يزال يحترق، كان
دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع، في البيت الأبيض يقترح هجوما ضد بغداد. لسبب ما،
لم يصدق قادة الإدارة بأن القاعدة قد تتمكن من القيام بعملية مدمرة كهذه، لذا
أصبح تورط العراق هوالتفسير الملائم.
رغم أنه قيل لهم مرارا بأن العراق لم يكن متورطا في11أيلول، فإن البعض، مثل
تشيني، لم يستطيعوا التخلي عن الفكرة. تشارلز ديولفر، من مجموعة مسح العراق
التابعة للاستخبارات المركزية الأميركية كشف مؤخرا في كتابه، “الغميضة: البحث
عن الحقيقة في العراق”، عن أن مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى حثوه على التفكير
في تعذيب سجناء حرب عراقيين معينين بطريقة الإيهام بالغرق حتى يزودوه بأدلة على
وجود دور عراقي في الهجمات الارهابية.. وهوطلب رفضه دويلفر. (يشير تقرير الى ان
الاقتراح أتى من مكتب نائب الرئيس). بالرغم من ذلك، فإن الافتقار الى الأدلة لم
يردع الإدارة عن غزوالعراق في النهاية وهي خطوة أراد الكثير من مسؤولي بوش
الكبار القيام بها قبل11 أيلول.
فيما يتعلق بالاعتقال، قفز فريق بوش إلى فرضية أن المحاكم والسجون الأميركية لن
تجدي نفعا. قبل الهجمات الإرهابية، اعتقل البرنامج الأميركي لمكافحة الإرهاب في
التسعينيات إرهابيي القاعدة وآخرين حول العالم وكانت نسبة الإدانة لديه مئة
بالمائة تبعا للنظام القضائي الأميركي. مع ذلك، جرى التخلي عن النظام الأميركي،
مجددا باعتباره جزءا من نمط التبني الفوري لأشد ردود الفعل المتاحة. أُنشأت
معسكرات حول العالم، بالذات في خليج غوانتانمو، حيث أُحتجز السجناء دون تهم
أومحاكمة. وأصبحوا رموزا للخداع الأميركي، محتجزين كدليل على أن الحملة
الدعائية للقاعدة ضد الأميركيين كانت محقة.
بشكل مشابه، وفيما يتعلق بالاستجواب، لم يقم مسؤولو الإدارة بتحليل مهني ذومعنى
حول أي أساليب نجحت وأيها لم تنجح. مكتب التحقيقات الفيدرالي، الذي قام
باستجواب إرهابيي القاعدة بنجاح، إستُبعد تماما من الاستجوابات. عوضا عن ذلك،
كان هناك الافتراض المباشر الذي يفتقر إلى المبرر القانوني بأن الإجراءات
المتطرفة - مثل ممارسة الإيهام بالغرق مع أحد السجناء183 مرة ستكون الأكثر
فاعلية. أخيرا، فيما يتعلق بالتنصت على المكالمات، عوضا عن تقوية الإجراءات
المتاحة ضمن قانون مراقبة الاستخبارات الخارجية، اتجهت الإدارة مجددا الى
التطرف، بالتصنت على الاتصالات هنا في الوطن بطريقة غيرقانونية. قانون المراقبة
احتاج الى بعض التعديل، ولكنه سمح أيضا بإصدار سريع لتوصيات المحكمة، كما حدث
عندما اتخذ الرئيس كلينتون إجراءات وقائية مكثفة في أواخر العام1999 بسبب الخطر
المتزايد في الألفية الجديدة. صحيح، ربما كان ديك تشيني وكونداليزا رايس قد
فوجئا بهجمات11 أيلول، لكن ذلك كان لأنهما لم يصغيا، وقادتهم هذه المفاجئة الى
تبني أساليب متطرفة لمجابهة الإرهاب - ولكن السبب كان رفضهم، دون تحليل،
للوسائل التي استخدمتها إدارة كلينتون. في الواقع، كانت الإجراءات التي اتخذوها
غير ضرورية وذات نتائج عكسية. تشيني قال في تصريحه الأخير: “أعترف بصراحة أن
مشاهدة هجوم منظم ومدمر عبرغرفة تحت الأرض في البيت الأبيض يمكن أن تؤثر في
كيفية نظرتك الى مسؤولياتك”. ولكن هذا الدفاع يفتقر الى الدليل. رد فعل إدارة
بوش قوّض فعليا المبادئ والقيم التي دافعت أميركا عنها في العالم، وهي قيم كان
من المفترض أن تتخطى هذا الحدث المؤلم. البيت الأبيض ظنّ أن11 أيلول غيّر كل
شيء. ربما غيّر العديد من الأمور، ولكنه لم يغير الدستور، الذي تعهد نائب
الرئيس ومستشار الأمن القومي، وجميعنا ممن كنا في البيت الأبيض في ذلك اليوم
المأساوي، بحمايته والحفاظ عليه. |