|
عبد
الأمير المجر
مرة، قال لي الصديق الشاعر سلمان داود محمد، ان عشق بغداد
مرض يصيب كل من يسكن هذه المدينة المسكونة بالأسرار الجميلة، وان الذي يشفى من
هذا المرض يموت!..
وكان عليّ ان استحضر هذه الكلمات التي هي نفسها تعبر عن ايغيال هذا المرض
المحبب في نفس سلمان داود محمد الشاعر الذي يصر على ان لايموت، لانه مازال
ويبدو انه سيبقى يعشق بغداد حتى في هزالها الجسدي الراهن، وشحوبها وسقمها الذي
نقاسمها اياه، لأننا عشاق وهذا يكفي سبباً للوفاء!..
وكان عليّ أيضاً ان استحضر هذه الحقيقة عندما اخبرني صديقي الأديب وزميلي في
الدائرة ان صديقاً لنا من الادباء قد هاجر بغداد مع عائلته الى احدى
المحافظات(الآمنة نسبياً).. ثم عادت بي الذاكرة الى مطلع التسعينيات او بداية
الحصار الاجرامي حيث ثبت احدى الاذاعات العالمية تقريراً عن اوضاع المثقفين
العراقيين الذين كانوا الضحايا الابرز لحصار اميركا وبريطانيا على العراق، اذ
ذكر التقرير ان المثقفين والمبدعين العراقيين صاروا يفترشون الارصفة عارضين
مكتباتهم الشخصية للبيع ليشتروا باثمانها ما يقيم أودهم، بينما فر اخرون الى
الخارج تاركين بغداد التي كانت بالأمس القريب كعبة المثقفين الذين يأتون اليها
في مهرجاناتها المتلاحقة!.. وكان ذلك مطلع التسعينيات كما ذكرت، أما الآتي من
الاعوام اللاحقة اي بعد عام 1995 حتى الاحتلال، فالحديث عنها او عن هموم
المثقفين خلالها يثير الشجون بعد ان توزعت مبدعينا اصقاع الارض وظلوا يحنون
لعودة، تبدو اليوم مستحيلة برغم ان الاسباب المعلنة للهجرة او التهجير المنظم
قد إنتفت!..
لقد كان ادباء ومثقفو المحافظات يحلمون دائماً بالسفر الى بغداد واقصد الذين
ظلوا مرابطين برغم وجع الحصار وقسوته التي كان من استحقاقاته المعروفة عدم توفر
اجرة النقل للذهاب الى العاصمة، لاسيما لأهل المدن البعيدة وكان ذلك حصاراً
داخلياً، فرضه الحصار الخارجي، اوانه نتيجة طبيعية له، اما اليوم وبعد ان تبدلت
الاحوال صار مثقفو المدن(الآمنة نسبياً) محط حسد زملائهم في العاصمة التي
يترصدهم فيها شبح الموت في كل مكان، وغدت بغداد التي ظل صدرها يتسع لقوافل حجيج
المثقفين من كل مكان في العالم، تبدو ضيقة ومقطعة لاوصال وصار لقاء الادباء
والمثقفين ببعضهم أمنية سبقها اورافقها غياب(مهرجان الجمعة) الاسبوعي في شارع
المتنبي الذي ابتلعه الحظر وغيّب الحياة الثقافية التي كان ذلك اليوم ابرز
ملامحها.. وكيف يعود الذي يسكن في حي ناءٍ من احياء العاصمة الى بيته اذا ما
اخذته(نشوة) الحوارات مع الاصدقاء وسرقت وقته ووجد نفسه عند مشارف الغروب حيث
الصمت يخنق الشوارع ويرثي صخب بغداد الذي كان؟.. أحقاً يحصل كل هذا؟.. أقول مع
نفسي بعد ان اخبرني صديق روائي معروف بانه سيأخذ عائلته أيضاً الى مدينة اخرى
حيث وجد عملاً هناك، ليستقر فيها ولسان حاله يقول ان العيش هنا يقصد في بغداد،
لم يعد يطاق!..
لقد كان الجميع تقريباً يعتقدون بان عودة مثقفي الخارج باتت مسألة وقت بعد
الاحتلال!.. ولعل بعضهم جاء لأيام ثم عاد هارباً بجلده من حيث أتى.. انه الموت
فهل باتت بغداد المحتفية بالكلمة عبر العصور، والمتغنية بشعرائها، تطرد مثقفيها
وشعراءها وأدباءها، ام ان الزمن المر هو الذي فرض حرمان الحبيبة بغداد من
عشاقها وتحديداً من الذين قاسموها جوعها وشحوب وجهها النضر في انتظار فرج صار
بفعل الاحتلال كابوساً يجثم على الصدور؟..
نعم فالهجرة من بغداد ربما صارت للبعض أملاً أخيراً في خلاص يبدو انه مستحيل او
غير قريب،.. هجرة الى الخارج اتت على اعداد غير قليلة من مبدعين لامعين وهجرة
الى الداخل لكن برغم هذا مازال قلب بغداد ينبض ومع كل دقة من دقاته، يولد من
رحم هذه البغداد امل وحلم جديد ومبدع جديد سيكون شاهداً على مأساة مروعة، ستطلع
عليها الاجيال اللاحقة، من بطون الكتب القادمة التي ستؤرخ باقلام هؤلاء
المبدعين ان بغداد طعنت بخناجر عديدة لكنها برغم هول الجراح.. لن تموت!
اخيراً اقول.. هل بالامكان الشفاء من مرض عشق بغداد؟.. أو هل ان هذه الاعداد
التي ربما اصابت بعضها اعراض الشفاء، تستحق ان تموت؟!.
اعتقد ان هذا وحده هو مايجعل بغداد اليوم اكثر إحساساً بالألم! |