|
حوار: جمال المظفر
سافرة جميل حافظ خريجة كلية الاداب / جامعة بغداد العام1954، عملت في مجال
الصحافة عند تخرجها وأصدرت أول مجموعة قصص قصيرة (دمى واطفال) العام1956 كانت
ومازالت ناشطة في مجال حقوق المرأة والجمعيات الوطنية والاجتماعية، أسست قاعة
الدروبي للفنون التشكيلية ومدت يد العون للكثير من الطاقات الفنية الشابة،
انتخبت في العام2005 عضوا في المجلس المركزي للاتحاد العام للادباء والكتاب في
العراق، صدر لها مؤخرا مجموعة قصص قصيرة بعنوان (14) قصة ورواية (هم ونحن
والقادمون). تنتمي لعائلة تعشق الادب والفن فشقيقتها الفنانة التشكيلية
المعروفة حياة جميل حافظ وشقيقها الفنان منذر جميل حافظ مؤسس الفرقة السمفونية
الوطنية العراقية ويتولى الان مسؤولية اللجنة الموسيقية العربية كما يعمل حاليا
مستشارا للفنون في مدرسة الموسيقى والباليه..
ولدخول عالم سافرة جميل حافظ الادبي والسياسي كان للنور معها هذا الحوار:
قصة دمى واطفال التي فازت بجائزة جريدة الاخبار الادبية في الخمسينات من القرن
الماضي هل كانت باكورة اعمالك الادبية؟
الفوز يعني لدي أو ما استطيع أن أترجمه الإتيان بانجاز ما جديد أضيف إلى
تراكمات الجهد الإنساني... هو شئ جديد بناء يخدم ويبني الروح الإنسانية. وفوزي
بتلك الجائزة رغم بساطتها وفي باكورة حياتي الأدبية كانت فتحا لعملي المبكر
ومشجعا لإتمام الطريق، كل إنسان لديه أحلامه فقد تجري الرياح بما لا تشتهي له
سفنه وقد يأتي الموج فيدفع سفينتك إلى النجاح إذا لم يصادفك “سونامي” الحياة
العاتية..
*هل تأثرت بكاتبة ما وحاولت ان تكوني قريبة لها في الاسلوب؟
-لا ادري إذا كان الإعجاب بكاتب ما يؤدي إلى التأثر به. في بدء حياتي الأدبية
قرأت لكثير من الأدباء والأديبات والكتب الأدبية ومازال الولع بالقراءة مصاحبني
إلى اليوم، اذكر كذلك أنني في بدء حياتي الأدبية كنت اقرأ المجلات الأدبية بولع
شديد وقد جلبت انتباهي قاصة فلسطينية أعجبت بأسلوبها هي سميرة عزام كانت صحفية
ومذيعة ومقدمة برامج في إذاعة في تلك الفترة هي إذاعة الشرق الأوسط وقد قابلتها
عدة مرات وتعرفت عليها وقد أجرت لي مقابلة إذاعية كانت الأولى في حياتي كنت
حينها في الصف الثالث في كلية الآداب.
*كنت قد تعرضت للسجن بسبب نشاطك السياسي، هل أثر ذلك في كتاباتك؟
-حياة كل امرىْ قصة فكيف إذا كانت تشعبات تلك الحياة مليئة بما يغني الأديب
ويعطيه أجواء عامرة وجاهزة للإحداث، فقد سجنت عدة مرات وعشت الحياة غير العادية
وتعرفت كيف إن الإنسان يتحول إلى هيئة بعيدة عن كل ما يدعى إنسان بل وحتى
حيوان... إلى مخلوق لا يمكن مطلقا أن يشبه حتى اشد حثالات المخلوقات وأبقى أفكر
كيف تحول هذا البشر إلى مسخ...؟
*14قصة مجموعتك القصصية الاخيرة هل تعتبرينها نقطة تحول في مسيرتك الادبية؟
-14قصة لا تعني أبدا تحولا في حياتي الأدبية إن التحولات التي أصبو إليها أوسع
واكبر فهي قد تأتي مثلا بكتابة قصة فريدة واحدة وليس بمجموعة قصص وإنا أحاول أن
أصل إلى تلك القصة الفريدة ”وما نيل المطالب بالتمني”!..
*هل انت مع تصنيف ادب نسوي وادب ذكوري، أم يأخذ الادب طابعه العام دون تخصيص؟
-شد ما ارتاع لمثل هذه التسميات وكأنما حياة الإنسان مسيجة كالاسيجة التي تحيط
بشوارعنا في الوقت الحاضر. هنا يبدأ مسار الرجل، وهنا يبدأ مسار المرأة. في
ادنى درجات سلم حياة الحيوان لا نجد مثل هذا التقسيم... بالنسبة لي تلك أسئلة
قد عفا عليها الزمن... اسألني هل ما أقدمه من إنتاج أضاف إلى الموجود شيئا
جديدا... خدم أحدا... اثر في احد... ولا تسألني إذا كان ذلك نسويا أم رجاليا
وانأ اكره ترديد كلمة الذكورية في الأدبيات فهي ذات مفهوم غير أدبي..
*لماذا تخشى الاديبات العربيات الخوض في مسألة العلاقات الحميمية والجنس
ويعتبرنه خطا أحمر لايمكن الاقتراب منه؟
-ليس خشية أو قل هي خشية جاءت نتيجة التربية... “الحياة الجنسية” والتحدث عنها
لم يكن خشية لدى الأديبات العربيات نتيجة للحياة البسيطة والصريحة في الجاهلية
وحتى في تكوين الدول الإسلامية بعد ذلك فقد كانت ما تزال اقرب إلى المفاهيم
القديمة وكتب الأدب مليئة بتلك الصراحة... وبتعقيد الحياة السياسية والاقتصادية
تعقدت كثير من المفاهيم الاجتماعية وعتم على كثير من المفاهيم والمظاهر
الطبيعية وكان أبرزها التعتيم على المرأة وأصيب المجتمع بنوع من الغثيان
النفسي... إن التطور العلمي السيكولوجي والبحث في حيثيات الجنس نفسيا وطبيا
يساعد على التفهم العلمي للعلاقة الجنسية باعتبارها إنسانية وليست مجرد حيوانية
كما يقدمها أو يصفها كثير من أدبائنا ويعتقدون بأنهم قد انتصروا على كل ما هو
رجعي. إن الثقافة البيتية والاجتماعية والمغروسة في الصميم من المرأة تقف حجر
عثرة في تناول العلاقة الجنسية العلمية غير المبتذلة اللاإنسانية... إن الكتب
التي حازت على الجوائز العالمية نجدها قد تناولت بل غارت بعيدا في نفسية الشعوب
وتناولت حركاتها الاجتماعية والثورية وكانت القضايا الجنسية جزءا متمما ومرتبطا
بالمسار القصصي ... وكنتيجة للثقافة الاجتماعية والبيئية.
*رايك في كتابات غادة السمان ونوال السعداوي وحلام مستغانمي وليلى العثمان؟
-هن كاتبات بطلات أحبهن وأقدرهن... اقرأ لغادة السمان منذ زمن وتعجبني
جرأتها... يعجبني في نوال السعداوي أسلوبها الرائع ونظرتها العلمية للحياة وهي
طبعا كطبيبة ومناضلة من اجل الحياة الأحسن قد اثر كل ذلك في كتاباتها... المرأة
العربية قوة رائعة في عالمنا العربي وأنا معجبة بكل الكاتبات العربيات دون
استثناء. إن الطريق مازال غير معبد للكثيرات وهن يسرن على ذلك الطريق الملئ
بالعثرات واللواتي يتغلبن عليه هن الأكثر بطولة وصدقا وما على الأخريات إلا أن
يتدرعن ما استطعن لخوض معركتهن الشرسة والشرسة أبدا..
*هل تميلين الى الواقعية أم تلجين عوالم أخرى؟
-قد يأخذك الخيال إلى الواقع أو بالعكس، والمدارس الأدبية تطورت وأخذت في
الواقع الشئ الكثير وانعكس ذلك في أساليب الأدباء متأثرا بالمسار الاجتماعي
والسياسي وما تخلفه الحروب والكوارث على المجتمع بتغيير مسار الأديب، خذ مثلا
المدارس الأدبية التي ظهرت في الغرب - وأكثر أدبائنا متأثر بها - كالسريالية
والدادائية والوجودية... الخ أرادت بحقيقتها أن تبتعد عن الطبقة الحاكمة والسير
في ركابها فأخرجت نظرية الفن للفن أي أن الفنان غير معني بالمديح والتأليه هو
كاتب شغله الفن وبذلك ابتعدوا عن مديح وتأثير السلطات القمعية... بالنسبة لي
أنا أزاوج بين الواقعية بغيرها بالنسبة للقصة أو حوادث القصة التي أتناولها ولا
التزم بأي أسلوب من الأساليب ولاسيما وان نغمة الحداثة طاغية في الوقت الحاضر
ويا ليت من يكتب بها يستطيع أن يفهمنا ماهيتها بل أصبح الغموض هو المضمون فتقرا
ما لا تفهم ولا يستطيع الأديب أن يوصل إليك ما يعني... هل هذا هو مفهوم الأدب؟
*هل ترين ان القصة العراقية قد وصلت الى العالمية أم لازالت تراوح مكانها؟
-الأدب العربي منذ أزمنة بعيدة كان يرفد الأدب العالمي بروائعه ويؤثر في كثير
من أدبياته... بعد انحصار الحضارة العربية أو الإسلامية تضاءل أو انعدم هذا
التأثير وانقطع العالم العربي عن حضارات كثيرة بعد الحرب العالمية الثانية
وبالنهوض الثقافي والفكري وتطور المدارس الأدبية ودراسة كثير من أدبائنا في
الغرب تفتحت أبواب المنافسة وأصبح لدينا أدباء في الخارج ترجمت إعمالهم إلى
اللغات الأجنبية إن إباءنا مدعوون ألان إلى بذل كثير من الجهد لإيصال أصواتهم
إلى العالم الخارجي وعلى عاتق الجميع تقع المسؤولية.
*هل تخشين النقاد عندما تكتبين؟
-على العكس يعجبني جداً أن تنتقد أعمالي إن النقد يعني اهتمام المجتمع الأدبي
بعملك وتناول العمل يعني الميزان التقويمي للعمل. كنت أرحب بنقد المرحوم عبد
الإله احمد وغيره من النقاد فالنقد البناء يفيد الكاتب ويساعده في تقويم
أعماله.
*ماذا أفرزت لك الزنزانة؟
-الزنزانة أفرزت إلى جانب الألم والمصائب قصص أرجو أن ترى النور عن قريب.
*يقولون ان دموع المرأة سلاحها لمواجهة ارهاب الرجل، ماهو سلاح سافرة جميل
حافظ؟
-الدموع ليست ضعفاً بقدر ما هي تعبير عن الم محض يعاني منه الإنسان ومن الخطأ
أن تعتبر دموع الرجل ضعفا وإلا لما بكى الجاهلي واستبكى وهو المتباهي بقوته...
الحيوانات نفسها تبكي ولها عواطف قد تكون أقوى من البشر... إن دموع المرأة
انفجار لألم محض وقهر اجتماعي... هل تعلم من أين تنبثق الدموع؟ أنها تنفجر
كالينبوع من باطن القلب وليس من العين... عسى أن ننسى آمر الأسلحة والسلاح
ولنفكر بالسلم والسلام... لنغير اتجاهنا صوب حياة هادئة ومستقرة... أنا لا أحب
الأسلحة وليتني احذفها من القواميس!..
*غير القصة القصيرة هناك هوايات اخرى، ماهي؟
-كل الهوايات الجمالية الشعر والموسيقى والرسم وحتى التصوير الشمسي بل أنا من
هواة التصوير الشمسي مارسته منذ الطفولة إنها جماليات خلاقة تحث العقل وتحفزه
للعمل... في عائلتي من هم رسامون وموسيقيون وأدباء وقد حفزني ذلك إلى فتح قاعة
للفنون التشكيلية في بيتي الذي كان يسكنه الفنان حافظ الدروبي وقد ساعدني العمل
فيها على التعرف الى شخصيات ثقافية وفنية عديدة.
*رواية (هم ونحن والقادمون) التي صدرت مؤخرا هل هي لشخوص حقيقية؟
-رواية “هم ونحن والقادمون” أردت من ورائها كما هو مذكور في المقدمة أن أبين
“ذكر ما لا يذكره التاريخ” أي أن ادخل في بيوت الناس لأرى واعكس التأثير
الخارجي لما يجري في المجتمع على الغوائل في داخل حياطينها سلبا أو إيجابا وكيف
تتعامل مع الوضع الجديد وغير المتوقع أي كيف يتعامل المواطن مع ما يقع عليه من
المستجدات فيكون هو جزء من ذلك التاريخ. وأكثر شخوص القصة واقعية... تعاملت مع
المحن والمصائب بكل جراه وحزم... وهذا ما أردت أن اعكسه.
*كناشطة في مجال حقوق المرأة، هل توظفين هذا الجانب في اعمالك الادبية؟
-النشاط الاجتماعي جزء مهم من حياتي فلأنني أديبة ولأنني جزء من هذا المجتمع
فيجب أن أتفاعل معه وافهمه، وما لا افهمه هو أكثر مما فهمته لحد الآن لان
الحياة تفاعلت وتتفاعل بشكل غريب وعاجل لم نستطع اللحاق به... عسى يظهر ذلك في
أدبياتي.
*كيف ترين المشهد الثقافي اليوم ومستقبلا؟
-المشهد الأدبي العراقي اليوم متباين ومتناقض إلا إنني أرحب بذلك التباين
والتناقض لأنه يبرز لنا ما هو صالح وينبذ ما لا يفيد انه دلالة على حيوية ونشاط
المسار الأدبي... أما ما يفيد الناس فيبقى رغم كل شيء... |