بغية إخراج وزارة الثقافة من دائرة المحاصصة .. دعوة من ملتقى المستقبل لتشكيل فريق ثقافي عراقي..

في ندوة تميزت بالصراحة والصرامة والغضب، وانتهت بالاتفاق على تشكيل فريق ثقافي وطني، يتولى مهمة العمل من أجل إخراج وزارة الثقافة من دائرة المحاصصة العرقية والطائفية، أثبت ملتقى المستقبل الثقافي الإبداعي فاعليته واستقلاليته وقدرته وقوة تأثير رواده في المشهد الثقافي الوطني.
بحضور عدد من مندوبي الصحف المحلية، جرت وقائع الجلسة الحوارية التي دعا إليها الملتقى تحت عنوان (المشهد الثقافي.. بين الوزارة والإتحاد)، وحضرها العشرات من المثقفين والأدباء والإعلاميين، فضلا عن جمهور الملتقى وإدارته.
غياب وزارة الثقافة
بدأت الجلسة بمقدمة لأمين عام منظمة (أين حقي..؟) راعية الملتقى،تحدث فيها عن ما أسماه أكبر المفخخات التي تهدد عملية البناء الديمقراطي لعراق المستقبل، ألا وهي المحاصصة العرقية والطائفية، وقد استشهد بآراء السياسيين المشاركين في العملية أنفسهم.
أقر الأمين العام بأن التخلص من هذه الكارثة ليس بالأمر السهل، بل ربما يكاد يكون مستحيلا، في ظل المعطيات الراهنة، لكنه أعرب عن قناعته بأن إخراج وزارة الثقافة من هذه الدائرة قد يكون هدفا يمكن الوصول إليه، لو تظافرت جهود المثقفين والأدباء والفنانين المستقلين بالتعاون مع أصحاب القرار وصناعه، حيثما وجدوا، كما اعتبر أن الوصول إلى هذا الهدف، مقدمة لا بد منها لكسر قاعدة المحاصصة، والتخلص منها تماما.
بناء على هذه المنطلقات تقدم الأمين العام / احمد محمد أحمد بمقترح لتشكيل فريق ثقافي عراقي، على غرار الفريق الرياضي العراقي، لا يمثل جهة أو عرقا أو طائفة، ويتولى مهمة العمل بالسبل كافة لإنجاز هذه المهمة... لقيت هذه الدعوة ترحيبا كبيرا من قبل الحضور وحولت، بعد المداخلات والمناقشات، إلى إجراء عملي فوري تمثل في تسجيل أسماء الراغبين للعمل ضمن هذا الفريق.
أكد الأمين العام، وفي سياق تعليقه على ما ذكره المحاضر/ناظم السعود، حول غياب وزارة الثقافة واتحاد الأدباء عن مجريات الجلسة، أكد أن الدعوات وجهت إلى المدراء والمسؤولين في وزارة الثقافة، كما وجهت دعوات مماثلة إلى اتحاد الأدباء، وقد تأكدت شخصيا من وصول الدعوات، وماذا نفعل إذا كان السادة المعنيون غير آبهين بالحضور، انشغالا أو تكبرا، على حد زعمه.
إتحاد الأدباء.. وتوارث القيادة
وجه المحاضر ناظم السعود لومه وانتقاداته الحادة إلى اتحاد الأدباء، ولم يعف وزارة الثقافة منها، فقد اعتبر أن الإتحاد يتجاوز واقعه عندما يعتبر نفسه الممثل الشرعي الوحيد للأدباء والكتاب في العراق، بينما هو في الواقع منظمة من منظمات المجتمع المدني، في عصر الانفتاح والديمقراطية والتعددية، على حد زعمه.وأضاف السعود أن عصر الشمولية قد انتهى، وعلى الإتحاد أن يتكيف مع الواقع الجديد، وعليه أن لا يتجاوز صلاحياته، ويتعدى على صلاحيات الوزارة، لأن الوزارة، على رأي السعود، جهة إدارية، وليست جهة إبداعية.في ختام حديثه، حول اتحاد الأدباء، أشار السعود إلى النظام الداخلي لإتحاد الأدباء وضرورة تطويره ونشره، والاستعداد لإجراء انتخابات ديمقراطية حقيقية، لاكما جرى في الانتخابات الأخيرة التي أوصلت القيادة الحالية، والتي أطلق عليها السعود (ديمقراطية البطيخ)، من خلال مجموعة مقالات كتبها في حينه، على حد زعمه.أما بالنسبة إلى الوزارة، فقد أشار السعود إلى تصريح خطير رددته القنوات الفضائية، على لسان الأستاذ مفيد الجزائري، وزير الثقافة السابق، وعضو اللجنة البرلمانية الثقافية، والذي أكد فيه أن الوزارة (وزارة الثقافة) أعادت القسم الأكبر من ميزانيتها إلى خزينة الدولة!..السعود اعتبر ذلك كارثة كبيرة، فبينما تدعي الوزارة أنها لا تملك مخصصات لرعاية الآداب والفنون والنشاطات والفعاليات الثقافية المختلفة، اراها تعيد الأموال إلى الخزينة، وتلك والله الطامة الكبرى على حد زعمه.نقطة أخيرة سجلها السعود في مرمى الوزارة، واعتبرها مثلبة كبيرة بحق مسؤوليها الكبار، الذين جاؤوا من الخارج مع المعارضة السياسية، ليتولوا شأنا خطيرا لا يعرفون عنه الكثير، إذ أنهم انقطعوا لفترات طويلة عن المشهد الثقافي، فكيف ستكون إدارتهم له، بعد طول انقطاع على حد تعبيره.أيد السعود دعوة الأمين العام لتشكيل فريق ثقافي عراقي، وأعرب عن استعداده للمشاركة في أي اعتصام أو احتجاج أو تظاهر، على الرغم من جلطاته وأمراضه المزمنة.
المداخلات
أكثر من عشرة متداخلين طلبوا التعقيب على المحاور التي وردت في الجلسة (الروائي رياض الفهد، الصحفي محمد خضير سلطان،الإعلامي باسم الجنابي، الناقد محمد نوار، الشاعر ربيع مكي، الباحث جبار حسين صبري، القاص عبد الرزاق السويراوي، الشاعر أحمد البياتي، الإعلامي زعيم نصار، الفنان عقيل الربيعي.. وآخرون.).. مع أن مدير الجلسة وعد ضيوفه منذ البداية على أن يكون عادلا في توزيع الوقت بين المتداخلين، إلا انه لم يستطع السيطرة على تجاوز الوقت المقرر.أعرب معظم المتداخلين عن قناعتهم بضرورة إخراج وزارة الثقافة من دائرة المحاصصة، كما أعرب معظمهم عن قناعته بضرورة إخراج مؤسسات الدولة كافة من هذه الدائرة اللعينة، وأيد معظمهم فكرة تشكيل فريق ثقافي عراقي مستقل.الروائي رياض الفهد عدّ أن المشهد الثقافي العراقي الحالي لا يزال كما كان أيام النظام السابق، بدون أي تغيير حقيقي، على الرغم من الانقلاب الكبير الذي حصل على المستويات كافة، كما أشار إلى اتحاد الأدباء وتخلفه عن مسيرة التحديث والتجديد، مستشهدا بعدم قدرة الإتحاد على تعديل نظامه الداخلي إلى اليوم، على حد تعبيره.محمد خضير سلطان نبه الحضور إلى أن المشهد الثقافي لا يمكن اختصاره بالمشهد الأدبي أو الفني فقط، بل أن كلمة (مشهد) أعم وأشمل من ذلك بكثير. استشهد محمد بما كان يفعله الرئيس الفرنسي (ديغول) عندما يستشير المثقفين الفرنسيين ووزارتهم في الشؤون العامة، حيث استشارهم في اختيار ألوان الجدران ذات يوم.محمد سجل اعتراضه على اتهام ناظم السعود للمجتمع العراقي بالتقصير في رعاية المبدعين، وعلى خطأ المعلومة التي أوردها عن مكانة الكاتب في العهد السومري (المشكينو) وبين أن منزلة الكاتب (المشكينو) كانت بعد منزلة الراهب أو الكاهن، وهي منزلة عظيمة في ذلك الوقت، على حد زعمه.الشاعر ربيع مكي، الذي يحضر فعاليات الملتقى لأول مرة، أعرب عن سعادته لما رآه وسمعه، ودعا إلى تحويل الأقوال إلى أفعال، فالكلمة لوحدها لا تفعل شيئا، وقد استشهد ربيع بما جرى في فرنسا وفي بريطانيا.. فسارتر الفرنسي كان يقود التظاهرات الطلابية، والمثقفون الإنكليز هم الذين تحدوا( تاتشر) رئيسة الوزراء/ المرأة الحديدية، واستطاعوا إزاحتها عن السلطة خلال ثلاثة أيام، أمام عجز السياسيين البريطانيين!الناقد محمد نوار أشار إلى أن مؤسسات المجتمع المدني هي التي ترعى الثقافة في دول العالم المتقدم، ولا حاجة لوزارة أو أية مؤسسات حكومية، واعتبر نوار أن مفاهيمنا للثقافة لازالت تراثية كتابية حصرا، بينما يشمل مفهوم الثقافة الحديث ألوان الأفعال الإبداعية كافة.الناقد جبار حسين صبري ذهب إلى أبعد من ذلك إذ اعتبر أن المشكلة تكمن داخل ذات المثقف، الذي لازال لا يدرك أهميته وقدره الحقيقي، بناء على السياق التراتبي القديم، الذي يجعل منه هامشيا.وفي نهاية مداخلته دعا المثقفين إلى نبذ العبودية، ونزع ثياب الهامش، والتحرك نحو الأفعال لا الأقوال.