هل سيستخدمون (الجراديغ) بعد نجاح تجربة (المهافيف) .. العراقيون يقاومون ظهيرة (آب اللّهاب) بشرب الشاي الساخن والسباحة في دجلة والنوم على (الحصران)

تحقيق: علي عفيف ومصطفى علي
آب اللّهاب الذي اكد الاقدمون انه يحرق البسمار بالباب، ويقلل الاعناب ويكثر الارطاب، ويفتح من (الشتا) باب، لو قدر له ان يتكلم لاستغرب كثيراً من احوال العراقيين الذين يصرون على شرب الشاي الساخن في صيفهم القائض، تاركين الاعناب والارطاب ومتناسين الشتاء الذي لن يحل الا بعد اشهر طويلة تحرقهم فيها شمس (آبهم) الحارة.
وشرب الشاي الساخن في الصيف الملتهب عادة واظب عليها من يحاول بطريقة او بأخرى تخفيف موجات الحر التي تداهم ابناء الرافدين وتجعلهم يفكرون جدياً في ابتكار طرق لمقاومتها، وبسبب انقطاع الكهرباء وشحة المياه في بعض المناطق اصبح الحر فارس الملعب الوحيد يصول ويجول وينال من عباد الله، يحرق جباههم المتصببة عرقاً، ويوهن اجسادهم ويجعلهم تائهين في دوامته الصحراوية الجافة.
(القلعة) حاولت معرفة اساليب الناس في مقاومة حر الصيف وما اتبعه الأقدمون في ذلك والطرق المعاصرة والطريفة ايضاً من خلال هذا التحقيق الذي لا يخلو من مواجيد وهموم.
حصير وجودليات
(ابو سلام) اكد ان ارتداء الملابس الخفيفة والفاتحة عند اشتداد الحرارة وارتفاع درجتها لا يجدي نفعاً، وحتى خلع الملابس بشكل كلي قد يأتي بنتائج عكسية لان الحر لا يوصف وقد بلغ اعلى مستوياته منذ مئات السنين حسب مصدر في دائرة الانواء الجوية، اما الصعود الى السطح بعد رشه بالماء وفرش (الحصير) و (الجودليات) فله عواقب اخرى مثل التعرض التام لغبار محتمل او لاطلاقات نارية اثناء الاعراس ومباريات كرم القدم والمواجهات المسلحة التي لم تنته بشكل كامل.
يضيف (ابو سلام): كان اجدادنا في ايام مضت يقاومون حرارة ولهيب الصيف بوسائل عديدة منها انهم يهرعون الى الشواطئ ويسبحون تلطيفاً لحرارة اجسامهم وينشئون (الجراديغ) ومفرده (جرداغ) والذي يشيد بمجموعة من الاخشاب والحصران “البواري” ويزرعون حوله الورد المتسلق واللوبياء ليضلل ما حوله وتحد من حرارة واشعة الشمس اللاهبة.
ومن وسائلهم في مواجهة الحر ومكافحته، تبريد الماء بـ(الحِب) بكسر الحاء وهو الاداة الملازمة والمفضلة عندهم في ايام مضت، حيث يتم تبريد الماء وتنقيته، وكان ذلك قبل انشاء اسالة الماء الصافي في ميدان بغداد العام1907، وكان (الحب) ولا يزال يوضع في زاوية ظلية قريبة من تيار الهواء الغربي تسمى (بيت الحبوب) في فصل الصيف، وهو يستخدم للشرب فقط، اما غسل الملابس والاستحمام فكان ماء (البير) يفي بالغرض ويعد من لوازم البيت البغدادي.
اما الماء الذي يملأ به الحب (والحديث للسيد ابراهيم عباس جواد) فكان يجلبه السقة في قربة جلدية تحمل على ظهور الحمير من بعض مناطق بغداد مثل (باب السيف والمصبغة والشواكة والكاظمية والاعظمية والنواب والكرادة والقشلة والبقجة وخان التمر والسيد سلطان علي والمجيدية والقمرية، وشريعة الجعيفر).
ويشير (السيد ابراهيم) الى ان مهنة “السقة” كانت تعد - في ايام مضت - من المهن الشهيرة المعدودة، ويتعامل السقاة مع اهل الدور بوضع خط على الحائط اشارة الى عدد القرب التي يجلبها الى هذا الدار او ذاك، وفي انصرام اسبوع تجمع عدد الخطوط ليتسلم "السقة" اجورها.
وكان البغداديون (كما يؤكد ابو كريم) يشربون الماء من الحب بواسطة (المنشل او الجيرية) وهي حلة صغيرة متألفة من سيقان الحلفة المطلاة بـ(القار) او (القير) وتكون على شكل رقم (8) وتحت الحب يوضع اناء فخاري مدور يسمى (بواكة) هو عبارة عن (كوز) فخاري يجمع به الماء الصافي يسموه (مي بيوتي) ومن ماء الـ(ناكوط) يخدرون الشاي لصفائه ونقاوته.

العاكول الاخضر
ومن وسائل التبريد ومكافحة الحر في ايام مضت (والكلام للحاجة لطفية شمخي)، وضع الفاكهة مثل الرقي والبطيخ تحت (الحب) او القائها في البئر، واتخاذ (قلل) الماء أي (الاكواز) و(التنك) كثلاجة متنقلة وترمس جوال وملأها بالماء، وتغطى فوهتها بـ(الخوص) او قطعة محاكة من القماش لتصف على سطح الدار وواجهات الشناشيل والشبابيك في اوقات العصر والاماسي.
واستعملوا ستائر العاكول الاخضر (العماريات) المصنوعة من صفين من سعف النخيل واعواد العاكول لنصبها امام الدار، ورشها بين حين وآخر بالماء بغية جلب الهواء البارد، ومن الوسائل الاخرى لمقاومة الحر بناء السراديب، للهروب من حر الصيف اللاهب نقضي فيها القيلولة وقت الظهيرة، وللسرداب عدة ملاقف هوائية (بادكيرات) تضخ الهواء الاسفل فينتعش الجميع.
المهندس المعماري (تقي رؤوف) اكد ان شكل بغداد المعماري في السابق يتلاءم تماماً مع مناخها الحار صيفاً، وكانت اهم خطوة قبل بناء المنزل هي تعيين مواقع واتجاهات الرياح والشمس، والمباشرة بالبناء وجعل الجدران سميكة لكي لا تتأثر بأشعة الشمس المحرقة، ووضع الزجاج الملون الغامق على الشبابيك بغية تخفيف حدة الحرارة وجعل سقوف الغرف عالية حتى لا تتسرب اليها اشعة الشمس.
استعمل العراقيون انذاك الطابوق (الفرشي) لمقاومة الحرارة، وجميع الدور كانت مكشوفة مما ساعد على دخول الهواء في ارجاء الدار، واستعمال الشبابيك الخشبية ذات الزخارف الجميلة التي تكون بمجملها النهائي الشناشيل العراقية ذات الشكل الجذاب.
يضيف المهندس (تقي) ان تصميم البيت العراقي انذاك يتضمن فناء مكشوفاً يسمى (الحوش)، محاطا بفناءات اخرى مكشوفة الجوانب وبسقوف عالية تسمى (الايوان) ، اما الغرف فانها تُسقف بمادتي (الجص والحجر) وبطرق مقعرة تسمى (العقادة)، ولا انسى طبعاً السرداب وهذا التصميم يمنح البيت خاصية العزل عن التأثيرات المناخية الخارجية ، ولذا ، مثلا ، وفي عز ساعات ظهيرة صيف حار فان السرداب هو (الملاذ) الافضل الذي تلجأ اليه العوائل لاخذ (قيلولة) تمثل افضل الوسائل للهروب من الطقس الصيفي الحار.
اما وسائل التهوية والتبريد لتأمين راحة افضل فان (المهفة) كانت تتصدر تلك الوسائل، في الوقت الذي كان الاعتماد على تبريد الماء منصبا على (حب الماء ) والقلّة (الشربة) والجرة وجميعها تصنع من الفخار ، اما ليالي الصيف فلا اجمل من قضاء اماسيها و( تعاليلها ) فوق اسطح المنازل والنوم فيها.

تساؤلات حارة
اضع هذا السؤال امام الحكومة العراقية التي عجزت بميزانياتها الضخمة عن توفير الكهرباء والماء في بعض المناطق : هل سيعود الانسان العراقي في صيف العام2008 الى استخدام (الجراديغ) و(الحصران) و(المنشل) و(الجيرية) و(بواكة) و(الاكواز) و(التنك) و(الخوص)و(العاكول الاخضر) لتبريد ايامهم في صيفهم الديمقراطي الحار.