|
تحقيق: غازي المنشداوى
بين صيف وشتاء، ضاع عمري، دون ان يأتي ربيع الكهرباء..، هكذا لخص لنا احد
الشعراء الشباب وهو طالب جامعي معاناته اليومية الكبيرة بعد (ترقين قيد
الكهرباء) من حياة المواطن العراقي جراء غيابه المتواصل الذي دام سنين طويلة.
(القلعة) تعاطفت كثيراً مع معاناة هذا الشاب الذي ارسل الى بريدها الالكتروني
رسالة طالب فيها بحل عاجل لهذه المشكلة المستعصية، ولاننا لسنا طرفاً فيها
قررنا ان نكتب هذا التحقيق مرة اخرى عن الكهرباء وكيف كان الاقدمون يعيشون
حياتهم بلا كهرباء، عسى ان (يفهم) هذا الشاعر فوائد انقطاع الكهرباء وتأثيراتها
الايجابية على الصحة النفسية والبدنية.
فوانيس ونمريات
كانت البداية مع الحاجة “حمدية عزيز“ (ام طارق) من مواليد1929 مدينة خانقين
تقول: لقد تزوجت في أحدى قرى مدينة خانقين وانا في سن الرابعة عشرة ولم تكن
تنتشر الطاقة الكهربائية في العراق الا ما ندر، وأتذكر كيف كانوا يثبتون أعمدة
الكهرباء المصنوعة من الخشب او الحديد بشكل افقي باتجاه المدينة دون ان يضعوا
لها تفرعات الى القرى أو الأحياء المجاورة لها، حيث كانت حياتنا بعيدة عن أدراك
وجود الكهرباء، وكنا ننام بعد صلاة العشاء مباشرة في الصيف والشتاء، وكنا نعتمد
على الفوانيس أو النمريات أو ما يسمى بالنفطيات والذي تطور فيما بعد الى ما
يعرف باللوكس. وهذا يتطلب منا تحضير العشاء قبل غروب الشمس، كانت أيامنا حافلة
بالعمل نهارا وملبدة بالنوم ليلاً، وكانت سهرتنا في بعض الليالي تحت ضوء القمر
او بصحبة الفوانيس، فيتم الاتفاق مع الجيران والأقارب لقضاء السهرة (التعلولة)
في الدار المتفق عليها. وتكثر التعلولة في فصل الصيف خاصة الأيام “المبدرة”
ودائما ما يدور الحديث حول مواضيع معينة منها إخبار الأقارب او عن حوادث غريبة
او مواضيع اجتماعية او دينية. حيث كان الكلام يسلينا ويبعد عن اعيننا النوم.
وأضافت ام طارق: كنا ننام على أسطح منازلنا ونبدأ بفرش المنامات وحرق روث
الحيوانات أو خشب الصاج أو أوراق التبغ الخضراء لنبعد الحشرات والبعوض عن
فراشنا، فكنا دائما نكثر من زراعة الأشجار او الزهور في المنازل او ما حولها
والتي كان لها دور كبير في ظهيرة اليوم الحار، حيث نقوم بتعليق قطعة من قماش
الململ ونرشها بالماء فعند مرور نسيمات الهواء الحارة تقوم بتبريد البيت تقلل
حرارته، وقد نضطر في بعض الأيام الساخنة الى النوم بملابس مبللة اما في الشتاء
فكانت كثافة الملابس تقينا من البرد، وحرارة الموقد ودخانه يعملان على تدفئتنا
ونومنا مبكرا دون السهر.
اما الان فقد اصبح الجو اكثر حرارة واصبحت حاجتنا الى الكهرباء ملحة ولكن
الحكومة منشغلة عنا بالانتخابات والكراسي والمكاسب والامتيازات.
حلم مؤجل
وقال السيد “غفور حسن” (ابو علي) من مواليد1916 العمارة الذي كان يعمل مع والده
في الشركة البريطانية العامة للتوصيلات الكهربائية في البصرة: كنا نثبت الأعمدة
المصنوعة من خشب الزان المربع او انواع اخرى من الخشب تدعمها فواصل حديدية، حيث
لم نكن نعرف الأعمدة المصنوعة حالياً، وكنا نحفر نصف متر في الأرض ونثبت فيه
العمدان بمادة متكونة من الاحجار والتراب المغطى بالقير أو البورك الأسمر ولم
يكن يتجاوز ارتفاع الاعمدة الثلاثة امتار مع ما مدفون منها داخل الأرض الا
الاعمدة الرئيسية او الضغط العالي فكانت من الحديد وبارتفاع خمسة امتار. اما
الأسلاك فكانت مصنوعة من مادة النحاس العادي القابل للكسر ولا يتحمل التوتر
العالي، ويحمل كل عمود خطين كهربائيين أي جميع الاعمدة تحمل سلكين فقط وليس كما
متعارف حالياً حيث تحمل بعض الاعمدة عشرة اسلاك، حيث هذه الفترة لم تبق على ما
هي عليه الى ما قبل العام1958 اذ تم تغيير جميع الاسلاك وحواملها.
وعن مدى تقبل الناس لهذه الطاقة قال: لقد بقيت هذه الطاقة كالحلم للناس في ذلك
الوقت فلم تكن لديهم الحاجة الماسة لها إضافة الى ارتفاع أسعار الأسلاك وجهل
الناس بطرق الاستفادة من هذه الطاقة وارتفاع أسعار المصابيح التي اقتصرت على
مراكز المدن. وبقيت اعمدة الكهرباء في بعض المناطق تحمل الطاقة دون استهلاك حتى
العام1960 الى ان ظهر التوسع.
رحمة المراوح
وأكد الحاج مازن عبد القاسم (أبو بهيجة) من مواليد العام1932. ان والده من
مواليد العام1889 وهو احد المعمرين في العراق. توفي العام1982 كان دائما يحذره
من العيش داخل المدينة والاعتماد على هواء المكيفات وأجهزة التبريد الأخرى.
والذي فضل العيش في الاهوار بعد دخول الكهرباء بشكل واسع الى بغداد التي كنا
نسكن فيها. واشار أبو بهيجة ان والده كان يتمتع بصحة جيدة في الريف وتسوء
أحواله الصحية والنفسية عندما يتجه الى المدينة وخاصة عند نومه تحت رحمة
المراوح حسب قوله.
اما الحاجة سهيلة (ام حافظ) من مواليد1928 فحياتها اشبه بكابوس كما قالت كنا
نتوجه الى الفراش عند غروب الشمس، وكانت ليالينا سوداء يغمرها الظلام وكثيراً
ما امتلأت صدورنا بدخان النفطيات والفوانيس وما كنا نعانيه من حر الصيف ودخان
المدافيء النفطية في الشتاء والتي نعاني من جزء منها حالياً. قد نكون صبورين
ونتحمل طبيعة معيشتنا الصعبة لعدم معرفتنا بهذه الأشياء وفوائدها ولو انها لم
تصلنا لبقيت حياتنا داكنة ومظلمة لما لها من التأثير على التعليم والعمل
والراحة.
راحة وسعادة
وعندما وجهنا سؤالنا الى كل من قابلناهم عن الفرق بين ما مروا به سابقاً وما
يشعرون به حالياً، كانت إجاباتهم انهم في السابق كانوا يشعرون براحة وسعادة
اكبر لعدم تفكيرهم بالراحة التامة لا مصابيح، لا مكيفات، لا أعمدة، لا ثلاجات،
لا مجمدات، كانت المواد الغذائية المجففة هي مصدر الطعام في الشتاء بعد ان تعلق
على شكل (قلائد) او تنثر على اوعية امام الشمس حتى تجف مثل (البامية، الباقلاء)
وحتى في بعض الفواكه (الرمان والعنب) وكان ماؤهم المبرد من البستوكة او ما يعرف
(بالحب) وكانت ثلاجاتهم تعمل من المساء حتى الفجر وهي عبارة عن أسطح المنازل،
توضع الفاكهة او المادة المراد تبريدها في أعلى المنزل صيفاً لتصبح جيدة الطعم
أو باردة نسبيا كما في (الرقي) الذي يترك الى الفجر ليبرد ويكون بمثابة فطور
أولي مع قليل من الخبز البائت ووقايتهم من لهيب الشمس بما يزرع حول دورهم من
نباتات تسمى بالباردة مثل (الياس، واشجار البرتقال والنخيل) وما يرش عليها من
ماء، وكان موقد النار يحل محل المدفئة الكهربائية التي لا تنفث الدخان السام. |