ولنا قول: قوة التأمل.. أصل الفلسفة

عبد الامير المجر

في مراحل عمري المبكرة، كنت اتساءل مع نفسي وأنا اقرأ لفيلسوف أو اقرأ عن فيلسوف واقول كم قرأ هذا الانسان ليصبح فيلسوفاً؟!
هذه الأسئلة الساذجة ربما كانت دافعاً لي بأن اقرأ لا لكي اصبح فيلسوفاً بل لاعرف كيف يفكر الفلاسفة!.. ولاني صغير على اللعبة الكبيرة، لذا كنت اصدق كل ما كنت اقرأه واجدني مأخوذاً بمقولات وطروحات لفلاسفة وغير فلاسفة على حد سواء.
هذه محنة حقيقية لمن يريد ان يثقف نفسه ذاتياً ولعلي من الذين حكمت عليهم الاقدار بذلك كوني لم اواصل مشواري الدراسي للنهاية لظروف خاصة وبعد مشوار غير قليل من قراءة اتخذت طابعاً معينا او لنقل (فكراً) معيناً وجدت نفسي متعصباً لـ(أفكاري) واجادل على ان ما اقوله هو الحقيقة المطلقة لاسيما في مرحلة الثمانينيات التي كنت خلالها ما ان اخرج من جدال حتى اجد نفسي اخوض في جدال آخر مزهواً بالاقوال التي احفظها والقيها واتباهى بحفظي لها لانها تعطيني صفة (مثقف)! او هكذا يتصورني البسطاء وبعض المتعلمين في وحدتي العسكرية، الذين كانوا ينظرون لي باعجاب ويندهشون من اهتمامي بالقراءة المستمرة على الرغم من استمرار القصف المدفعي المعادي!.. لكني ومع تقدمي في العمر وفي القراءة التي اخذت طابعاً اكثر شمولية، بدأت اكتشف خيبتي ومستوى جهلي بمعنى الثقافة والمثقف، لكن تلك الصدمة لم تكن محبطة لي بقدر ما كانت محفزة لأتواصل مع القراءة لأعرف اسباب جهلي وربما لأعرف الطريق نحو التفلسف! وبعد سنين عديدة استنزفت الكثير من وقتي وجهدي ودنانيري القليلة ايضاً، توصلت الى ان الفلاسفة كالشعراء والمبدعين الكبار، يولدون فلاسفة، او انهم كالبذرة الصالحة للزراعة تنتظر موسم الامطار لتتفتح، إن لهم ملكة خاصة وقدرة عالية على التأمل الذي يسبق القراءة واحياناً يكون محفزاً لها، انهم مسكونون بسؤال فطري يتحول مع الصقل المستمر والقراءة الى سؤال منهجي يقذفونه بوجه هذا الطلسم الازلي الذي اسمه الحياة، او الكون في موجوداته اللامتناهية والتي تنتهي بالفيلسوف او المفكر الى الاحساس بالمأزق والتأمل في جدوى الحياة او الغرض منها.. اذن هو السؤال الاول الذي يستبطن قراءة عميقة وجادة ستأتي لا لكي يرتكن قارئها الى ما فيها من مقولات بل الى دلالة هذه المقولات وموقفه المتصل بالسؤال السابق منها وبذلك يغدو متحرراً مسبقاً من شرك الهالة التي تحيطها لاسيما اذا كانت لكتاب لامعين او مشهورين!
مرة، تساءلت مع نفسي لماذا اخرج من بعض الجلسات او الحوارات مع الاصدقاء أو الزملاء منزعجاً وغير مرتاح بينما اخرج من حوارات في جلسات اخرى وانا اشعر بالامتلاء وبنشوة الاضافة التي حققها لي هذا الحوار، والجواب الذي كان عليّ أن أعرفه هو ان السؤال الحائر في داخلي عن امر ما في الجلسة الاولى ظل حائراً ولم تتبلور له اجابة في احاديث الجالسين وفي الثانية تمكنا من انضاج اجابة نسبية جعلتني اشعر بالراحة ولو لوقت قصير!.. ما اريد قوله هنا هو ان المحاور ليس المجادل فالاول يحاول ان يستجلي الحقيقة والثاني يعتقد انه يمتلكها وهذا يعود بنا الى البداية، او الى الفيلسوف وبذرة الفلسفة، او بداية السؤال الذي يبحث عن اجابة وهي حتماً ليست الاجابة الجاهزة البلهاء التي تبحث عمن يتفق معها و مع صاحبها.. اذن الفلاسفة وان قدموا نظريات فانهم قدموا اسئلة قد تستبطن اجابات نسبية عن الوجود لكنها تبقى اسئلة تثري وتديم السؤال الاول الذي يدفع بالفيلسوف الذي يمتلك قوة التأمل الى ان يبحث او ان يقرأ او ليتأمل بشكل اعمق وهكذا جاءت سلسلة هذه التأملات العميقة احداها تكمل وتصحح للاخرى لتصل بالانسانية الى هذا المستوى من الرقي والذي يقابله بالتاكيد هذا المستوى من الانحطاط الفكري وهما ما نعيش بينهما اليوم، حيث التطرف والجهل في حرب شاملة على الانفتاح والتأمل وهذه في اعتقادي ثنائية الخير والشر التي رافقت الانسانية منذ الازل وظلت تتبدى باشكال مختلفة، اذ لا فرق بين يقين بن لادن ويقين هتلر، في امتلاك الحقيقة التي جنت ومازالت تجني البشرية ثمارها المرة، ولا فرق ايضاً بين يقين علي بن ابي طالب حين يقول (اما نظيرك في الخلق او اخيك في الدين) وبين يقين غاندي وهو يتحدث عن الديانة الاخلاقية وهذا ايضاً سؤال مضاف للحوار والجدال معا!!!