بلا اسنثناء: بين (تالي) و(ثم)!

نصرت مردان

على عكس البعض في عراقنا اليوم، أفتح ذراعي للعربية، وأحتضن كلماتها وجملها وعباراتها، وحروفها، وحركاتها المضمومة منها والساكنة. أشغف بها، رغم إنني لم أكن أجيدها عندما خطوت خطواتي الأولى في المدرسة، التي كانت ملاصقة لبيتنا تماما، حيث كنت أتأمل من سطحه اصطفاف الطلبة، وهرجهم ومرجهم في لحظات الاستراحة(الفرصة)، واسمع نشيدهم المؤثر(موطني.. موطني) قبل توجههم إلى صفوفهم. عند التحاقي بالمدرسة لم أكن أجيد من العربية حرفا واحدا، كان المعلمون يشرحون الدروس للطلبة باللغة التركمانية، لكونها لغة الطلبة الذين يشكلون الغالبية الساحقة في الصفوف. لاتزال ذكرى أول درس في مادة الحساب، محفورة في ذاكرتي، حيث كان معلمنا خالد بك قد علمنا الأرقام، وهو في الوقت نفسه مدير المدرسة المستنصرية الابتدائية، وكنا نردد خلفه:
- واحد(بيردي)، اثنين(ايكيدي)، ثلاثة(اوجتور).
مع الزمن تعلمت القراءة بشكل جيد، لكنني بقيت أجهل الحديث باللهجة الدارجة. وحصل لي موقف طريف بسببه في درس العلوم في الصف الرابع، فحينما كان المعلم وهو مسيحي من الموصل والذي لم يكن يجيد التركمانية يلقي الدرس، حضر المراقب العام للطلبة ومعه دفتر ليسجل فيه أسماء الطلبة المرضى ليرافقهم إلى طبابة صحة الطلاب. وكنت أعاني من السعال وقتها، فسأل المعلم إذا كان هناك مرضى من الطلبة، فرفعت اصبعي فاقترب مني سائلا:
- ماذا بك؟ لم أكن أعرف معنى السعال بالعربية، فقلتها له بالتركمانية:
- عوسكرمه.. عوسكرمه.
لم يفهم، نظر لي بعصبية، ولأنه لم يفهم ما أقول طلب مني الجلوس متذمرا، وواصل الدرس.
ومن الطرائف أيضا، انتقلنا للسكن في منطقة(عرفة)، التي تضم بيوتا لعمال النفط. وكان أغلب سكانها من المسيحيين إلا أن معظمهم كانوا يجيدون التركمانية. وكان من أحب أصدقائي الأرمني(زافين)، حيث كنا نتجمع أمام باب بيتهم، ويروي كل واحد منا الفيلم الذي شاهده للصبية الآخرين، وكنت قد بدأت أفهم شيئا فشيئا العربية الدارجة على العكس من الفصحى التي كنت افهمها تماما بفضل ميلي إلى القراءة في سن مبكرة. كانت أفلام(الكابوي) بالطبع هي التي تستهوينا. وكنا نطلق اسم(أوغلان- الولد) على الكابوي بطل الفيلم، و(خاين- على خصم الولد) و( وحشي) للهندي الأحمر المسكين. كان الدور هو دور علي البصراوي، الذي بدأ يروي قصة الفيلم بالعربية، فوجئت به يقول في أحد المواقف:
- تالي اجه الولد..
فاستدركت(زافين) وسألته بالتركمانية:
- ما معنى(تالي )؟ وكنت أسمعها لأول مرة.
رد علي قائلا:
- يعني بعدين. صرخت معترضا بين نظرات علي البصراوي المستغربة:
- غلط!.. يجب ان يقول( ثم)!