|
يكتبها/ عبد الامير ابو سماء
كتبت عن طيري هذا من قبل واليوم سأتناوله من زاوية اخرى غير الزاوية التربوية
التي كتبت فيها عنه اذ سأكتب عنه بصفته حكاية قروية بامتياز. ظهراً أتى أخي من
الهور الذي تنزل الناس اليه باكراً هناك لجلب العلف (الحشيش) للابقار ومسألة
جلب الطيور الصغيرة شائعة في الريف كي يلعب بها الاطفال!.. لم يكن طيري لوحده
بل كان مع أخويه، وهو اكبرهم كانوا الثلاثة عبارة عن كرات من صوف اصفر ناعم،
فهو من نوع ينتمي الى فصيل اللقالق ولا اتذكر اسم الطير بالضبط، وكان نصيبي
الفرخ الاكبر، الذي سيكون يوم مجيئه لبيتنا عيداً بالنسبة لي انا الطفل الصغير
والمدلل، اخذ اخويه الجيران ولم يعيشا طويلاً، اما صاحبي فقد صمد وراح يكبر
شيئاً فشيئاً.. كنت اجلب له السمك الصغير جداً (الزوري) من الانهر القريبة ومن
شط قريتنا وما اكثر (الزوري) والسمك هناك! اما مكانه فقد كان تحت (الحب) في
بيتنا القصب حيث الاجواء البيئوية شبيهة الى حد ما من بيئة (الاهوار) التي
غادرها (أسيراً) من دون ان يعرف لماذا مع اخوته بعد ان وقعت عليهم عين اخي الذي
فرح بصيده هذا لانه سيفرحني من دون ان يعلم انه سلب من امهم اغلى ما تملك، عشها
وافراخها وهكذا بات طيري الصغير مدللاً، يعتني به طفل مدلل ومرت الايام بعد
الايام وطيري نزع الوبر او (الصوف) الذي يجلله ليظهر بدله زغب ريش سيطول ويكسو
جسمه كله، وانا سعيد بـ(صديقي) الذي ملأ حياتي بهجة حيث اراه يتقافز ويلهو
ويمرح وبعد ان تمكن من الطيران قليلاً صار يطير داخل البيت وانا الحقه مسروراً
ثم يعود لمكانه تحت (الحب) ليجد السمك الصغير (الزوري) بانتظاره يأكل ويشرب ثم
يصمت!.. لا ادري ما الذي راح يجول في خاطره ولم يكلمني هو ايضاً لكني لم استطع
تصور انه كان يفكر بالحرية او بالهور، ذلك العالم الساحر الذي فارقه صغيراً
وصار يحن اليه كبيراً مدفوعاً بغريزة وضعها فيه الخالق سبحانه وتعالى ولم نكن
نقدر، اقصد نحن اهل القرى هذه المسألة حق قدرها.. اذن صار طيري الصغير كبيراً
وصار بامكانه الطيران وصار بامكاني التفاخر به امام اترابي الذين يغبطونني عليه
لكن شيئاً سيحدث وسيأتي اليوم الذي سيحصل فيه الفراق الابدي بيني وبين طيري
الذي راح يوهمني ويخادعني بالطيران القصير ثم العودة الى مكانه.. انه لم يصل
بعد الى اكتمال النضج وقوة الاجنحة التي ستحمله بعيداً عن القرية الى الهور
لكنه ينمو بسرعة وها هو يطير في ذلك اليوم الذي لم انسه ابداً ليحط على مقدمة
بيتنا من الاعلى بعد ان طار طيرة (محترف) ثم راح يتأمل الجنوب او الهور الذي
ينبسط امام عينيه وكأنه يناديه.. تعال! وهكذا صارت عيناه تتنقلان بين الهور
وبيني، انا الواقف امام البيت انظر لطيري الذي يبدو انه اتخذ قراره الحازم
والجازم، بالعودة الى وطنه وحريته المطلقة، ولم يعد بحاجة الى من يأتيه بالسمك
والماء لقد تمرد على ايام الطفولة وهاهو يقرر كالكبار ثم ينطلق الى الاعلى وانا
اتبعه راكضاً اتعثر واصيح.. تعال.. تعال.. من دون جدوى بينما هو يعلو ويبتعد
حتى استحال الى نقطة سوداء في الجو متجهاً الى الهور وقد تركني ابكي، يجللني
الحزن على فراق طيري الذي لم ادرك قيمة ما فعله الا بعد سنين.. وكان حسناً ما
فعل.. انه انتزع حريته التي سرقها منه جهلنا بمشاعر المخلوقات الضعيفة من حولنا
وهي دعوة خالصة مني للذين يعبثون باعشاش الطيور ان يتركوها بسلام.. انها لم تؤذ
أحداً انها تريد الحرية.. فقط! |